محمد عبد الله دراز

287

دستور الأخلاق في القرآن

بحيث أستقبله ، بل ينبغي أن نضيف ضرورة إبلاغه إلى علمي ، أنا نفسي ، سواء أكان ذلك بوساطة التّربية ، أو النّشر ، أو الصّدفة ، أم كان بطلبي إياه في سعيي ، وبحثي . وقد رأينا - في الواقع - كيف أنّ القرآن حرص على أن يثبت ، على سبيل الحقيقة التّأريخية - إن لم يكن على سبيل القانون الثّابت - أنّ التّعليم الإلهي الّذي خوطبت به الشّعوب القديمة كان يصل دائما إلى المعنيين به ، قبل أن يلزموا بمسئوليتهم . هذه الحقيقة نفسها يجب أن تنطبق على التّعليم القرآني ، وإنّها لكذلك ، فقد قرر القرآن : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ « 1 » . وليس هذا هو كلّ شيء ، فلنفترض أنّ القاعدة قد تقررت بالنسبة إلى النّاس ، وأنّي تلقيتها ، ولكن ها أنا ذا ، لدى ممارستي للعمل ، يغيب عني هذا التّعليم ، يفلت مني كلّية ، لقد نسيته بكلّ بساطة . بل إنني قد أكون في حالة تسمح لي بتذكره ، عندما أسأل عنه ، ولكني لا أتذكر ، في الحال ، بل أكاد لا أشعر بمجرّد وجوده ، وسواء كان هذا النّسيان مجرد ذهول سطحي وعارض ، أو نسيان عميق ودائم ، مرضي أو عادي - فإنّ موقفي هو الاستعداد دائما أن أكفّ عن عملي المخالف ، أو أوقف نشاطي الّذي بدأته ، بمجرد أن يذكرني أحد من النّاس بالقانون . فكيف أكون مسؤولا عن عمل تمّ في مثل هذه الظّروف ؟ . عندما يكون النّسيان ظاهرة طبيعية ، لا تصدر عن إرادتي ، ولا ترجع إلى خطأ من ناحيتي ، فهل يكون من المقبول في منطق العدالة المطلقة ، القائمة على واقع الأشياء لا على التّخمينات ، أو اعتبارات المنفعة - أن أعد مسؤولا عن عمل

--> ( 1 ) الأنعام : 19 .